محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها يعني بذلك أهل الأَديان ، يقول : لكل قبلة يرضونها ، ووجه الله تبارك وتعالى اسمه حيث توجه المؤمنون ؛ وذلك أن الله تعالى ذكره قال : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثما أسباط ، عن السدي : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها يقول : لكل قوم قبلة قد ولوها . فتأويل أهل هذه المقالة ولكل أهل ملة ، فحذف أهل الملة في هذه الآية : ولكل أهل ملة قبلة هو مستقبلها ومول وجهه إليها . وقال آخرون بما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها قال : هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة . وتأويل قائل هذه المقالة قال : هي صلاتهم إلى بيت المقدس و : ولكل ناحية وجهك إليها ربك يا محمد قبلة الله عز وجل موليها عباده . وأما الوجهة فإنها مصدر مثل القعدة والمشية من التوجه ، وتأويلها : متوجه يتوجه إليها بوجهه في صلاته . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وجهة قبلة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ قال : وجه . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وجهة : قبلة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، قال : قلت ل منصور : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها قال : نحن نقرؤها : ولكل جعلنا قبلة يرضونها . وأما قوله : هُوَ مُوَلِّيها فإنه يعني : هو مول وجهه إليها مستقبلها . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : هُوَ مُوَلِّيها قال : هو مستقبلها . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . ومعنى التولية هاهنا الإِقبال ، كما يقول القائل لغيره : انصرف إلي ، بمعنى أقبل إلي ؛ الانصراف المستعمل إنما هو الانصراف عن الشيء ثم يقال : انصرف إلى الشيء بمعنى أقبل إليه منصرفا عن غيره . وكذلك يقال : وليت عنه : إذا أدبرت عنه ، ثم يقال : وليت إليه بمعنى أقبلت إليه موليا عن غيره . والفعل ، أعني التولية في قوله : هُوَ مُوَلِّيها لل " كل " و " هو " التي مع " موليها " هو " الكل " وحدت للفظ " الكل " . فمعنى الكلام إذا : ولكل أهل ملة وجهة ، لكل منهم مولوها وجوههم . وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرءوا : هو موليها " هو مولاها " بمعنى أنه موجه نحوها ويكون الكلام حينئذ غير مسمى فاعله ، ولو سمي فاعله لكان الكلام : ولكل ذي ملة وجهة الله موليه إياها ، بمعنى موجهه إليها . وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك : " ولكل وجهة " بترك التنوين والإِضافة . وذلك لحن ، ولا تجوز القراءة به ، لأَن ذلك إذا قرئ كذلك كان الخبر غير تام ، وكان كلاما لا معنى له ، وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه . والصواب عندنا من القراءة في ذلك : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها بمعنى : ولكل وجهة وقبلة ذلك الكل مول وجهه نحوها ، لإِجماع الحجة من القراء على قراءة ذلك كذلك وتصويبها إياها ، وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره . وما جاء به النقل مستفيضا فحجة ، وما انفرد به من كان جائزا عليه السهو والخطأ فغير جائز الاعتراض به على الحجة . القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعني تعالى ذكره بقوله : فَاسْتَبِقُوا فبادروا وسارعوا ، من " الاستباق " ، وهو المبادرة والإِسراع . كما : حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعني فسارعوا في الخيرات . وإنما يعني بقوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي قد بينت لكم أيها المؤمنون الحق وهديتكم للقبلة التي ضلت عنها اليهود والنصارى وسائر أهل الملل غيركم ، فبادروا بالأَعمال الصالحة شكرا لربكم ، وتزودوا في دنياكم لأَخراكم ، فإني قد بينت لكم سبيل النجاة فلا عذر لكم في التفريط ، وحافظوا على قبلتكم ، ولا تضيعوها كما ضيعها الأَمم قبلكم فتضلوا كما ضلت كالذي : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يقول : لا تغلبن على قبلتكم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ قال : الأَعمال الصالحة . القول في تأويل قوله تعالى : أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومعنى قوله : أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً في أي مكان وبقعة تهلكون فيه يأت بكم الله جميعا يوم القيامة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . كما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : أَيْنَ ما